الشيخ محمد رشيد رضا
20
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لنا المحدثون شيئا فيه والذي أراه ان الرواية غير صحيحة واللّه اعلم والعبرة في هذا السياق أن هؤلاء المنافقين فريقان : فريق عرفوا بأقوال قالوها وأعمال عملوها ، وفريق مردوا على النفاق وحذقوه حتى صار أملس ناعما لا يكاد يشعر أحد بشيء يستنكره منه فيظهر عليه ، وكل من الفريقين يوجد في كل عصر ، ولا سيما منافقي السياسة في هذا العهد ، وهم الذين اتخذهم الأجانب المعتدون على بلاد الاسلام دعاة وولائج وأعوانا على استعباد أمتهم واستعمار أوطانهم ، فما من قطر من هذه الأقطار التي رزئت بالأجانب الا ولهم فيها أعوان وأنصار من أهلها يزعمون أنهم يخدمون أمتهم ووطنهم من طريق استمالتهم واسترضائهم ، وانهم لو لاهم لما وقفوا من الظلم وهضم الحقوق عند الحد الذي هم عليه ، ومنهم من يخدمون الأجانب خدما خفية لا تشعر بها الأمة لأنهم مردوا على النفاق ، وانما يحتاج الخونة الخادمون للأجانب إلى النفاق ، وتلبيس خيانتهم واخفائها بالكذب والاختلاق ، إذا كان للرأي العام فطنة وقوة يخشونها ، وأما البلاد التي استحوذ عليها الجهل والضعف فلا يبالي الخائنون برضاء أهلها ولا بسخطهم وأشد المنافقين مرودا واتقانا للنفاق أعوان الملوك والامراء المستبدين ، وشرهم واضرهم الذين يلبسون لباس علماء الدين * * * وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أي وثم آخرون أو ممن حولكم من الاعراب ومن أهل المدينة أناس آخرون ليسوا من المنافقين ، ولا من السابقين الأولين ، ولا من الذين اتبعوهم باحسان لا إساءة فيه ، بل من المؤمنين المذنبين خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً أي خلطوا في اعمالهم بأن عملوا عملا صالحا وعملا سيئا ، وقيل معناه خلطوا صالحا بسيء وسيئا بصالح ، أو خلطوا في كل منهما ما ليس منه فكان ناقصا ولكنه لم يغلب الآخر ويندغم فيه ، فلم يكونوا من الصالحين الخلص ولا من الفاسقين أو المنافقين ، ذلك بأنهم آمنوا وعملوا الصالحات ، واقترفوا بعض السيئات ، وهم أو منهم بعض الذين تخلفوا عن النفر والخروج إلى غزوة تبوك من غير عذر صحيح كالضعفاء والمرضى وغير الواجدين ، ولا استئذان كاستئذان المرتابين ، ولا اعتذار كاذب كالمنافقين ، ثم كانوا ناصحين للّه في أثناء قعودهم ،